الشيخ محمد رشيد رضا
144
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إلى اليونان فكانوا يفرضونه لا سيما على النساء ، وكذلك الرومانيون كانوا يعنون بالصيام ، ولا يزال وثنيو الهند وغيرهم يصومون إلى الآن ، وليس في أسفار التوراة التي بين أيدينا ما يدل على فرضية الصيام ، وانما فيها مدحه ومدح الصائمين ، وثبت ان موسى عليه السّلام صام أربعين يوما وهو يدل على أن الصوم كان معروفا مشروعا ومعددا من العبادات ، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعا تذكارا لخراب أورشليم وأخذها ، ويصومون يوما من شهرآب . أقول وينقل أن التوراة فرضت عليهم صوم اليوم العاشر من الشهر السابع وانهم يصومونه بليلته ولعلهم كانوا يسمونه عاشوراء ، ولهم أيام أخر يصومونها نهارا . وأما النصارى فليس في اناجيلهم المعروفة نص في فريضة الصوم وانما فيها ذكره ومدحه . واعتباره عبادة كالنهي عن الرياء وإظهار الكآبة فيه ، بل تأمر الصائم بدهن الرأس وغسل الوجه حتى لا تظهر عليه أمارة الصيام فيكون مرائيا كالفرّيسيين ، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح ، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى عليهما السّلام ، والحواريون رضي اللّه عنهم ، ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروبا أخرى من الصيام وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف ، ومنها صوم عن اللحم وصوم عن السمك وصوم عن البيض واللبن ، وكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصوم اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة ، فغيروه وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار ، ولا نطيل في تفصيل صيامهم ، بل نكتفي بهذا في فهم قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي فرض عليكم كما فرض على المؤمنين من أهل الملل قبلكم ، فهو تشبيه الفرضية بالفرضية ولا تدخل فيه صفته ولا عدة أيامه ، وفي قصتي زكريا ومريم عليهما السّلام انهم كانوا يصومون عن الكلام ، أي مع الصيام عن شهوات الزوجية والشراب والطعام ، قال البيضاوي : ان الصوم في اللغة الامساك عما تنازع اليه النفس ، لا مطلق الامساك كما يقول الجمهور ، وقال أبو عبيدة من رواة اللغة : كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم ، ثم قال * خيل صيام وخيل غير صائمة * أي قيام بلا اعتلاف اه